محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ قال : نسلا بعد نسل من الناس والأنعام . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، أنه قال في هذه الآية : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ قال : يخلقكم . وقال آخرون : بل معناه : يعيشكم فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يقول : يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ قال : يعيشكم فيه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ قال : عيش من الله يعيشكم فيه . وهذان القولان وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد ، وهو أن يكون القائل في معناه يعيشكم فيه ، أراد بقوله ذلك : يحييكم بعيشكم به كما يحيي من لم يخلق بتكوينه إياه ، ونفخه الروح فيه حتى يعيش حيا . وقد بينت معنى ذرء الله الخلق فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته . وقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فيه وجهان : أحدهما أن يكون معناه : ليس هو كشيء ، وأدخل المثل في الكلام توكيدا للكلام إذا اختلف اللفظ به وبالكاف ، وهما بمعنى واحد ، كما قيل : ما إن نديت بشيء أنت تكرهه فأدخل على " ما " وهي حرف جحد " إن " وهي أيضا حرف جحد ، لاختلاف اللفظ بهما ، وإن اتفق معناهما توكيدا للكلام ، وكما قال أوس بن حجر : وقتلى كمثل جذوع النخيل * تغشاهم مسبل منهمر ومعنى ذلك : كجذوع النخيل ، وكما قال الآخر : سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم * ما إن كمثلهم في الناس من أحد والآخر : أن يكون معناه : ليس مثل شيء ، وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام ، كقول الراجز : وصاليات ككما يؤثفين فأدخل على الكاف كافا توكيدا للتشبيه ، وكما قال الآخر : تنفي الغياديق على الطريق * قلص عن كبيضة في نيق فأدخل الكاف مع " عن " ، وقد بينا هذا في موضع غير هذا المكان بشرح هو أبلغ من هذا الشرح ، فلذلك تجوزنا في البيان عنه في هذا الموضع . وقوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يقول جل ثناؤه واصفا نفسه بما هو به ، وهو يعني نفسه : السميع لما تنطق به خلقه من قول ، البصير لأعمالهم ، لا يخفى عليه من ذلك شيء ، ولا يعزب عنه علم شيء منه ، وهو محيط بجميعه ، محص صغيره وكبيره لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ من خير أو شر . القول في تأويل قوله تعالى : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . يَشاءُ . . . عَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بقوله : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ له مفاتيح خزائن السماوات والأرض وبيده مغاليق الخير والشر ومفاتيحها ، فما يفتح من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال : مفاتيح بالفارسية . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال : مفاتيح السماوات والأرض . وعن الحسن بمثل ذلك . ثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال : خزائن السماوات والأرض . وقوله : يَبْسُطُ